عرض التصنيفات

01 · كان أمّة: الرجل الذي لم يَهزمه الزمن

سلسلة «إبراهيم: الرجل الذي عاش قرنين» · المحور الأول: المفاتيح · الحلقة 01 من 13

استمع إلى الحلقة · نحو 9 دقيقة · السرد بصوتٍ آلي، والآيات بتلاوة الشيخ مشاري العفاسي

آيةٌ نمرّ عليها منذ الصِّغَر فنحسب أننا فهمناها: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قيل لنا إن الخليل كان «رجلاً بأمّة»، يزن وحده شعوباً كاملة. وصفٌ جميل… لكن ماذا لو كان الجمال نفسه هو الحجاب الذي يحول بيننا وبين المعنى؟

حين يتكلّم الشاعر… وحين يتكلّم الله #

يقف الشاعر أمام أمّه فيقول: «كانت نهراً من العطاء». ويقف تلميذٌ أمام شيخه فيقول: «كان بحراً من العلم». لا أحد يظن أن الأم كانت ماءً جارياً، ولا أن الشيخ كان موجاً مالحاً. هذه لغة المجاز والاستعارة، وهي من أجمل ما في العربية، لكنها في جوهرها قولٌ ليس على حقيقته؛ يرفع الموصوف بما ليس فيه.

والقرآن نفى عن نفسه هذا المقام صراحةً: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾. فالله إذا وصف وصف حقاً، وإذا أخبر أخبر بما هو كائن. ليس في كلامه مبالغةُ مادحٍ ولا تزيينُ منشِد.

كافٌ صغيرة تكشف المنهج #

وإذا أراد القرآن أن يشبّه أعلن التشبيه ولم يُخفه. تأمّل خاتمة أصحاب الفيل: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. لم يقل «فجعلهم عصفاً مأكولاً»؛ لأنهم لم يصيروا تبناً على الحقيقة، بل صاروا مثله. حرفٌ واحد — الكاف — يحرس الصدق، ويفصل بين ما هو كائن وما هو شبيه.

وهنا يقفز السؤال: لو كان المقصود أن إبراهيم «يعادل جماعةً من الناس»، فلماذا لم يقل الله «كان إبراهيمُ كأُمّة»؟ لقد قال: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ بلا كاف. فإمّا أن يكون الفرد الواحد جماعةً على الحقيقة — وهذا لا يستقيم — وإمّا أن تحمل الكلمة معنى آخر غير الذي ألِفناه.

القرآن يفسّر نفسه: رحلة في معاني «أُمّة» #

القاعدة الذهبية في التدبّر أن القرآن يفسّر بعضه بعضاً. فلنسأله هو: ما «الأُمّة»؟

  • الجماعة الكبيرة من الناس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، و﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.
  • المدّة الطويلة من الزمن: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾؛ زمنٌ ممتدّ لا يعلم مداه إلا الله، فلمّا أراد سبحانه أن يحدّه قال: «معدودة».
  • الزمن الطويل في عين صاحبه: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. تذكّر صاحبُ السجن يوسفَ بعد حين. وكم كان ذلك الحين؟ ربما سنوات معدودة، لكنها على سجينٍ مظلوم دهرٌ كامل؛ فاليوم في الزنزانة لا يُقاس بساعات الأحرار.

للكلمة إذن وجهان واضحان في الاستعمال القرآني: جماعةٌ عظيمة، وزمنٌ مديد. فأيّهما أليق بوصفٍ صادقٍ لفردٍ واحد؟

الفرد لا يكون جماعةً إلا مجازاً، والقرآن لا يقول المجاز بلا أداته. أمّا أن يكون الفرد «زمناً طويلاً» — أي ذا عمرٍ ممتدّ — فوصفٌ يستقيم على الحقيقة بلا تأويل.

«قانتاً»: الكلمة التي تحسم المعنى #

ثم انظر إلى ما يلي الكلمة مباشرة: ﴿قَانِتًا﴾ بالإفراد والتذكير. لو كانت «الأمّة» هنا جماعةً لكان السياق أقرب إلى أن يصف تلك الجماعة: «أمّةً قانتة». لكن الوصف عاد على إبراهيم نفسه، الرجل الواحد.

فيصير المعنى — في هذه القراءة — مدهشاً: كان إبراهيم زمناً طويلاً، وظلّ في ذلك الزمن كلّه قانتاً لله. ليس المدح هنا أنه عاش طويلاً، فالعمر الطويل وحده لا يرفع أحداً. المدح أنه لم ينكسر على طول المسافة.

نحن — أبناءَ الأعمار القصيرة — نعرف كيف يعلو الإيمان ويهبط في سنوات قليلة. فكيف بمن امتدّ به العمر دهوراً، يواجه النار والهجرة والغربة والابتلاء بذبح الولد، ثم يبقى في ذلك كلّه «قانتاً»، دائم الطاعة، خاشعاً لا يلتفت؟ هذه هي العظمة التي يصفها النص: الثبات في مواجهة الزمن.

من أين جاءتنا قصص الأنبياء؟ #

قد يعترض معترض: لكن الروايات حدّدت أعمار الأنبياء بالمئات. وهنا سؤال أعمق من الآية نفسها: ما مصدر ما نعرفه عن الأنبياء؟

في المعرفة الدينية ثلاثة أشياء ينبغي أن نفرّق بينها: المصدر، والناقل، والمنقول. المصدر المعصوم عندنا هو الوحي: كتاب الله، وما صحّ عن رسوله ﷺ. والصحابة الكرام — وفي مقدّمتهم حَبر الأمّة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما — أصدقُ الناقلين؛ فإذا نقلوا عن رسول الله قبلناه بلا تردّد.

لكن إذا نقلوا عن غيره، ممّا وصلهم من أخبار الأمم السابقة، فإن صدقَ الناقل لا يمنح المنقولَ قداسةً لم تكن له. الصحابي صادقٌ في أنه سمع، أمّا ما سمعه فيبقى خاضعاً لميزان القرآن.

لماذا لم ينشغل علماؤنا بهذا؟ #

ليس في هذا انتقاصٌ من أسلافنا. لقد كانوا يبنون صرح الدين: يدوّنون الحديث، ويؤسّسون الفقه، ويستنبطون الأحكام لأممٍ تدخل الإسلام كل يوم، وبلادٍ تُفتح كل عام. كانت الأولوية أن يعرف الناس كيف يصلّون ويصومون ويتعاملون. فبقيت قصص الأنبياء — في كثير من تفاصيلها — على ما وصلهم من روايات، دون أن تخضع للتمحيص القرآني الذي نالته الأحكام.

وتلك مهمّتنا نحن: أن نعود إلى النص بعينٍ متدبّرة، لا تكذّب الأسلاف، ولا تقدّس ما لم يقدّسه الوحي.

الغاية: وعيٌ لا معلومة #

ومع ذلك فليس المقصود في النهاية أن نحسب كم سنةً عاش الخليل. الله لم يقصّ علينا ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لنحفظ تواريخ، بل ليبني فينا وعياً.

إبراهيم هو الذي قيل له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وهو الذي أُمر خاتم الأنبياء باتّباع ملّته: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فنحن، باتّباعنا محمداً ﷺ، أتباعُ ملّة إبراهيم. ومن كان هذا إمامه، فأولى به أن يفهم أعمق صفاته، لا أن يكتفي بوصفٍ جميلٍ تلقّاه ولم يسأل عنه.

خلاصة الحلقة #

«كان إبراهيم أمّة» ليست — في هذا التأمّل — مبالغة شاعرٍ في مدح رجلٍ عظيم، بل وصفٌ صادقٌ لرجلٍ امتدّ به الزمن فلم يزده الزمن إلا قنوتاً. والسؤال الذي يبقى معنا: إذا كان الخليل قد ثبت على القنوت عمراً لا نتصوّر طوله، فماذا نصنع نحن بأعمارنا القصيرة؟

لكن قبل أن نتتبّع هذا العمر الممتدّ، علينا أن نسأل: لماذا لا نعرف عنه شيئاً؟ في الحلقة القادمة نبدأ من يوم فتح مكة، حين أخرج النبي ﷺ من الكعبة تمثالاً لإبراهيم وأقسم أنه كذب: لسانُ صدق: لماذا ضاعت سيرة خير البريّة؟

أصل هذا التأمّل حلقة مصوّرة على قناة «طاقة نور»: حقيقة مذهلة: اكتشف معنى «إن إبراهيم كان أمّة قانتاً لله».