عرض التصنيفات

13 · الخيط الذي يجمع الحبّات: خريطة عمرٍ امتدّ قرنين

سلسلة «إبراهيم: الرجل الذي عاش قرنين» · المحور الرابع: التسليم · الحلقة 13 من 13

استمع إلى الحلقة · نحو 6 دقيقة · السرد بصوتٍ آلي، والآيات بتلاوة الشيخ مشاري العفاسي

اثنتا عشرة حلقة، وكلّ واحدةٍ منها حبّة. أخذنا كلمةً من سورة، وكلمةً من أخرى، ووقفنا عند كافٍ محذوفة، و«ممّن» بلا «ذرّية»، و«شيعة» لا «أشياع». والآن جاء وقت الخيط. فلنضع الحبّات في نظامها، ولننظر إلى العقد كاملاً.

خريطة العمر #

هذه سيرة الخليل كما تجمّعت في هذه القراءة، محطّةً بعد محطّة، وكلّ محطّةٍ موصولةٌ بحلقتها:

  • قبل الطوفان، فتىً من شيعة نوح: يولد في زمن الرسول العالمي، ويكون من أنصاره وأعوانه. (الحلقة 03)
  • الفتى الذي نظر إلى السماء: يتّبع دعوة نوح إلى النظر، ويحمل علماً «جاءه»، ويحطّم الأصنام، فيُلقى في النار فتكون برداً وسلاماً. صدّيقٌ قبل أن يكون نبيّاً. (04)
  • البراءة من آزر: يتبيّن له أن الرجل الذي يناديه «يا أبتِ» عدوٌّ لله، فيتبرّأ منه، ويبقى يستغفر لوالديه المؤمنين إلى آخر عمره. (05)
  • الاعتزال والسفينة: يعتزل قومه، ويذهب إلى ربّه، فيكون «ممّن حملنا مع نوح»، ويهلك قومه بالطوفان فيصيرون الأخسرين الأسفلين. (06)
  • بعد الطوفان، من الملّة إلى الإمامة: ما أملاه على نفسه بفطرته يصير ملّةً يأمر الله الأنبياء باتّباعها، ويُجعل للناس إماماً. (07)
  • علم الملكوت: يُرى ملكوت السماوات والأرض ليكون من الموقنين. (08)
  • علم الحياة: يسأل «كيف تحيي الموتى»، فيتعلّم بيديه. (09)
  • الخليل: يصير هو نفسه الطريق إلى الله. (10)
  • الإمام الطوّاف: يجوب الأرض بعلم الأسباب، ويرى آله ملوكاً. ولعلّه ذو القرنين. (11)
  • طوى: يسلّم صحفه لموسى من قلب النار المباركة، ثم يمضي قبل أن تنزل التوراة. (12)

والآن ارجع إلى البداية، إلى الآية التي افتتحنا بها السلسلة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ (الحلقة 01). ألا ترى الآن لماذا كان «أمّة»؟ رجلٌ واحد امتدّ عمره من العالم الأوّل إلى العالم الثاني، وبقي في ذلك كلّه «قانتاً».

ما تعلّمناه في المنهج #

وأهمّ من المعلومات ما تعلّمناه في الطريق إليها. وهذه خمسة دروس تصلح لكل قصّةٍ في القرآن، لا لقصّة إبراهيم وحدها:

  • اسأل عن المصدر قبل الناقل. صدق الناقل لا يمنح المنقول قداسةً لم يمنحها الوحي.
  • احذر النظّارة. أخطر ما يحجب المعنى صورةٌ مسبقة لا تشعر بوجودها.
  • لا تستبدل الكلمة. الحليم ليس الهادئ، والشيعة ليست الأشياع، والخليل قد لا يكون الحبيب. الشرح وصفٌ للدلالة لا تبديلٌ للّفظ.
  • دع القرآن يفسّر القرآن. «نُري إبراهيم ملكوت» تشرح «آتيناه من كل شيءٍ سبباً»، و«يا نار كوني» تشرح «بورك من في النار».
  • التدبّر ظنّيّ والتواضع واجب. كل ما قرأناه قراءة: تُقبل بقوّة الحجّة وتُردّ بقوّة الحجّة، ولا تُفرض على أحد.

وماذا بعد؟ #

قد يغلق القارئ هذه السلسلة وقد اقتنع بكلّها، أو ببعضها، أو بلا شيءٍ منها. وكلّ ذلك من حقّه. لكن السؤال الذي لا يسقط عن أحد: ماذا يعني لي أن أكون من أتباع ملّة إبراهيم؟

يعني أن أملي على نفسي ملّتي كما أملى هو: أن أسأل ولا أرث الأجوبة جاهزة، وأن أرفع بصري إلى السماء لا إلى ما نحت قومي، وأن أبرأ من الباطل ولو كان في بيتي، وأن أعتزل ما لا يُرضي الله ولو كنت وحدي، وأن أقاوم الظلم بما أملك، وأن أطلب علم «الكيف» لا مجرّد علم «الماذا». ثم أن أبقى على ذلك «قانتاً» مهما طال الطريق.

﴿يَوْمَ يَتَبَرَّأُ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. لن يقف معك يوم الحساب شيخٌ ولا مفسّر ولا كاتب هذه السطور. ستقف وحدك بما فهمت وما فعلت. فاقرأ القرآن بنفسك، وتعلّم من أهل العلم، ثم اختر طريقك على بصيرة، كما اختار إبراهيم.

كلمة الختام #

سأل إبراهيم ربّه: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. ونحن من الآخِرين. وكلّ من قرأ سيرته من القرآن بصدق، وحاول أن يعيد إليه صورته الأولى بعد أن غطّتها الروايات، فقد شارك ولو بحرفٍ في استجابة ذلك الدعاء.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.

هذه السلسلة تأمّلات مكتوبة مستخلصة من حلقات قناة «طاقة نور» للدكتور سالم ورَّاد عن سيدنا إبراهيم عليه السلام. ما فيها من صواب فمن الله، وما فيها من خطأ فمن أنفسنا، ونرحّب بكل تصويبٍ يقوم على الحجّة.