سلسلة «إبراهيم: الرجل الذي عاش قرنين» · المحور الثاني: الفتى قبل الطوفان · الحلقة 04 من 13
استمع إلى الحلقة · نحو 9 دقيقة · السرد بصوتٍ آلي، والآيات بتلاوة الشيخ مشاري العفاسي
صباحٌ غاضب في مدينةٍ وثنية. دخل الناس معبدهم فوجدوا آلهتهم حطاماً، وفأساً معلّقاً على كتف كبيرها. صاحوا: ﴿مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فأجاب بعضهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾. لم يقولوا «رجلاً» ولا «شيخاً» ولا «نبيّاً». قالوا: فتى.
كم عمر «الفتى»؟ #
الفتى في العربية هو الحديث العهد بالفُتُوّة: من بدأت ملامح الرجولة تظهر عليه ولم يبلغ تمام الشباب بعد، أي ما بين الثانية عشرة والعشرين تقريباً. وللكلمة استعمالٌ آخر في المدح بالقوّة والمروءة يصلح لكل عمر، كقولهم «لا فتى إلا عليّ». لكن الذين نطقوا بها هنا قومٌ غاضبون يتّهمون، لا شعراء يمدحون. فهم يصفون سنّه، وربما يستخفّون بها.
ويؤكّد ذلك ردّهم عليه حين واجههم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾. «اللاعبين» كلمةٌ تقال للصغار. كأنهم يقولون: أهذا جِدّ، أم عبثُ صبيّ؟ فيجيبهم بثبات الرجال: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾. فتى، لكنه «شاهد»؛ يقين من رأى، لا ظنّ من سمع.
الفتى الذي نظر إلى السماء #
وقبل المعبد كانت السماء. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي﴾، ثم القمر، ثم الشمس، حتى انتهى إلى ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾.
لكن هنا سؤالٌ يستحقّ التوقّف: قوم إبراهيم كانوا يعبدون تماثيل منحوتة: ﴿مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. فلماذا رفع الفتى بصره إلى النجوم والقمر والشمس؟ لماذا بحث عن الإله في السماء وقومه يبحثون عنه في الحجارة؟
تأمّل في المقابل ما كان نوحٌ يقوله لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. القمر والشمس والسماء: هي نفسها مفردات رحلة الفتى! كأن صوت نوحٍ كان يتردّد في الأرض، يوجّه العيون إلى السماء، فالتقطه قلبٌ شابّ وبدأ رحلته من حيث أشار.
في هذه القراءة، لم يكن تأمّل إبراهيم في النجوم بحثاً من فراغ، بل استجابةً لدعوةٍ سمعها. وهو ما يلتقي مع ما رأيناه في الحلقة السابقة: كان من شيعة نوح.
«جاءني من العلم»… من أين؟ #
ثم يقف الفتى أمام أبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.
لاحظ ما لم يقله. لم يقل «جاءني من ربّي»، ولم ينسب العلم إلى الوحي. وقارن ذلك بلسان الأنبياء حين يتحدّثون عن الوحي: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي﴾. فالنبي إذا تحدّث عن علمٍ من الله لم يُخفِ مصدره، بل جعله حجّته الكبرى. أمّا إبراهيم هنا فيتحدّث عن علمٍ «جاءه» دون أن يسمّي مصدره. والأقرب، في هذه القراءة، أنه علمٌ تلقّاه من بشر: من نوحٍ ودعوته.
وقوله «فاتّبعني أهدك» لا يقتضي النبوّة؛ فقد قالها مؤمنٌ ليس بنبيّ: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهو مؤمن آل فرعون. كل من عرف الحقّ له أن يدعو إليه.
صِدّيقاً… ثم نبيّاً #
ويضع القرآن عنواناً لهذه المرحلة كلّها: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾. لم يوصف بهذين الوصفين معاً في القرآن إلا إبراهيم وإدريس. والترتيب ليس عبثاً: صِدّيقاً أولاً، ثم نبيّاً.
والصدّيق في القرآن مقامٌ مخصوص: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾. هو من صدّق رسولاً واتّبعه. فقبل أن يكون إبراهيم نبيّاً يُتّبع، كان صدّيقاً يَتّبع. كان وليّاً من أولياء الله، صدّق نوحاً ونصره، ثم جاءته النبوّة بعد ذلك.
النار: كرامة وليّ، لا معجزة رسول #
وفي هذا السياق نفهم مشهد النار. لقد أُلقي إبراهيم فيها عقاباً على تحطيم الأصنام، أي وهو ذلك الفتى نفسه. ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. نجّاه الله لأنه وليّه، لا لأنه كان قد أُرسل بعد.
ومن هنا نفهم لماذا لا نجد سنداً صحيحاً للقصّة الشائعة التي تُروى على المنابر: أن جبريل جاءه وهو في المنجنيق فقال «ألك حاجة؟» فقال «أمّا إليك فلا». قصّةٌ جميلة المعنى، لكنها لم تثبت عن النبي ﷺ. والقرآن يرسم لبعثة الرسل سنّةً أخرى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. فتىً في السادسة عشرة لم يبلغ أشدّه بعد.
خلاصة الحلقة #
الصورة التي يرسمها القرآن لهذه المرحلة ليست لشيخٍ نبيٍّ يدعو قومه، بل لفتىً يبحث عن ربّه في السماء التي أشار إليها نوح، ويحمل علماً جاءه من غيره، ويتّبع رسولاً قبل أن يصير رسولاً. صدّيقٌ قبل أن يكون نبيّاً، ووليٌّ نجّاه الله من النار قبل أن يحمّله الرسالة.
لكن الفتى لم يكن يواجه قومه فحسب، بل كان يواجه رجلاً يناديه «يا أبتِ». فمن هو آزر؟ وكيف تبرّأ منه، ثم ظلّ يستغفر لوالديه إلى آخر عمره؟ هذا لغز الحلقة القادمة.
أصل هذا التأمّل حلقات مصوّرة على قناة «طاقة نور»: حقائق لأول مرة: ركب السفينة مع نوح ولم يُرسَل إلى قومه، وتعقيب: إبراهيم ليس رسولاً إلى قومه.




