سلسلة «إبراهيم: الرجل الذي عاش قرنين» · المحور الثالث: الإمام بعد الطوفان · الحلقة 07 من 13
استمع إلى الحلقة · نحو 8 دقيقة · السرد بصوتٍ آلي، والآيات بتلاوة الشيخ مشاري العفاسي
نقول «دين الإسلام»، ولا نقول «دين محمد». ونقرأ «شريعة الله»، ولا نجد في القرآن «شريعة موسى». لكننا نقرأ مراراً عبارةً ينسب فيها الله شيئاً إلى عبدٍ من عباده: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. لماذا إبراهيم وحده؟ وما هذه «الملّة» التي أُمر خاتم الأنبياء نفسه باتّباعها؟
الدين لله وحده #
الدين في القرآن منسوبٌ إلى الله دائماً: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. والشريعة وصيّةٌ منه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾. حتى محمد ﷺ، وهو أكرم الخلق، لم يُنسب إليه الدين في القرآن؛ فلا «دين محمد» ولا «ملّة محمد»، بل ﴿دِينِ اللَّهِ﴾ و﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾.
فإذا جاءت «ملّة إبراهيم» منسوبةً إلى عبد، فلا بدّ أنها شيءٌ آخر غير الدين المنزّل. شيءٌ كان لإبراهيم قبل أن يكون شرعاً.
الملّة من الإملاء #
وفي اللغة مفتاح. «الملّة» من «الإملال» و«الإملاء»: أن تُملي على غيرك ما يكتبه أو يتّبعه، أي أن تسرد التعليمات واحدةً بعد أخرى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾. فملّة الإنسان هي ما يُمليه على نفسه: مبادئه، والتزاماته، والطريق الذي اختار أن يسير فيه.
في هذه القراءة: ملّة إبراهيم هي ما أملاه إبراهيم على نفسه، بفطرته وعقله واتّباعه لنوح، قبل أن تأتيه النبوّة. ثم أكرمه الله فجعل تلك الملّة جزءاً من دينه، وأمر الأنبياء من بعده باتّباعها.
بنود الملّة #
فما الذي أملاه الفتى على نفسه؟ إذا عدنا إلى المحور السابق وجدنا بنوداً واضحة، لم يأمره بها وحيٌ بعد:
- النظر والسؤال: رفض أن يرث الإله كما يرث قومه الحجارة، فرفع بصره إلى السماء وسأل.
- الإعلان والمواجهة: ﴿مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
- الفعل لا القول وحده: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾، ثم ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾.
- البراءة والاعتزال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾.
- الانحياز إلى فريق الحقّ: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ويلخّص القرآن هذه الملّة في مشهدٍ واحد جعله «أسوة» للمؤمنين: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. ولاحظ «والذين معه»: لم يكن وحده؛ كان فريقاً.
أوّل من سنّ المجاهدة #
وفي هذه البنود شيءٌ جديد على تاريخ الدعوة. نوحٌ عليه السلام دعا قومه أكثر من تسعة قرون: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾، وأسرّ لهم وأعلن، وصبر. لكنه لم يحطّم صنماً ولم يواجه بالفعل؛ كانت رسالته البلاغ، حتى جاء أمر الله.
أمّا الفتى إبراهيم فقد أضاف إلى البلاغ المجاهدة: أن تقاوم الباطل بيدك لا بلسانك وحده، وأن تدفع ثمن ذلك ناراً. ولهذا جاءت آية الحجّ تربط بين الأمرين ربطاً لافتاً: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. المجاهدة في الله، بمعناها الواسع من بذل الجهد ومقاومة الظلم، جاءت في الآية موصولةً بـ«ملّة أبيكم إبراهيم».
درسٌ في الفطرة #
ولعلّ هذا سرّ تعظيم الله لهذه الملّة: أن إبراهيم أثبت للبشرية أن الإنسان يستطيع بفطرته السليمة وعقله الحرّ أن يصل إلى الله، وأن يقف في وجه الباطل، قبل أن ينزل عليه وحي. ولهذا وُصف بأنه ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن الباطل إلى الحق بطبعه. وهذا ما يجعل ملّته صالحةً لكل إنسان، لأنها لم تُبنَ على معجزةٍ خاصّة، بل على ما في كل نفسٍ من فطرة.
ومن هنا نفهم حدّة قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. من رغب عنها لم يرفض شريعةً غريبة عليه، بل رفض فطرته هو.
من الملّة إلى النبوّة #
ثم رست السفينة. وبدأ عالمٌ جديد على أرضٍ غسلها الطوفان. وهنا، في هذه القراءة، بدأت المرحلة الثانية من حياة إبراهيم: جاءته النبوّة، ووُهب الذرّية، وانتقل من صدّيقٍ يتّبع إلى إمامٍ يُتّبع: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
ولاحظ ترتيب الآية: ابتلاءٌ، ثم إتمام، ثم إمامة. لم تُمنح الإمامة هبةً مجّانية، بل جاءت ثمرةً لما أتمّه. وكانت الملّة التي أملاها الفتى على نفسه هي أوّل تلك الكلمات.
ولهذا قيل لمحمد ﷺ بعد قرونٍ طويلة: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. لم يُؤمر باتّباع شريعة إبراهيم التفصيلية، بل باتّباع «ملّته»: طريقته في الوصول إلى الله ومواجهة الباطل.
خلاصة الحلقة #
الدين لله، والشريعة وحيه. أمّا «ملّة إبراهيم» فهي ما أملاه الخليل على نفسه بفطرته قبل النبوّة: السؤال، والمواجهة، والبراءة، والاعتزال، والمجاهدة. فكافأه الله بأن جعل ملّته جزءاً من دينه، ونسبها إليه تشريفاً لم يُعطَ لغيره.
لكن الإمامة تحتاج إلى ما هو أكثر من الملّة. تحتاج إلى علمٍ لا يملكه أحد. وفي الحلقة القادمة نقف عند آيةٍ يقول الله فيها إنه أرى إبراهيم ما لم يُرِه أحداً: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
أصل هذا التأمّل حلقات مصوّرة على قناة «طاقة نور»: تعقيب: إبراهيم ليس رسولاً إلى قومه، وإبراهيم هو من ركب السفينة مع نوح، والمعنى الحقيقي للقب خليل الله.




