عرض التصنيفات

06 · وممّن حملنا مع نوح: الفتى على ظهر السفينة

سلسلة «إبراهيم: الرجل الذي عاش قرنين» · المحور الثاني: الفتى قبل الطوفان · الحلقة 06 من 13

استمع إلى الحلقة · نحو 9 دقيقة · السرد بصوتٍ آلي، والآيات بتلاوة الشيخ مشاري العفاسي

سورة مريم تسير بنا في موكبٍ من الأنبياء: إبراهيم، ثم إسحاق ويعقوب، ثم موسى وهارون، ثم إسماعيل، ثم إدريس. وحين يكتمل الموكب يقف النص ليجمعهم في آيةٍ واحدة: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾. نحفظها، ونتلوها، ونسجد عند خاتمتها. فهل سألنا يوماً: من منهم كان على السفينة؟

«أولئك»: من هم؟ #

اسم الإشارة يعود على من سبق ذكرهم في السورة نفسها، وهم سبعة: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس. وقد نصّ الطبري على هذا المعنى، فقال إن المراد «هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءهم في هذه السورة». فالآية لا تتحدّث عن الأنبياء عامّة، بل عن هؤلاء السبعة تحديداً، ثم تصنّفهم بحسب أصولهم.

«ومن ذرّية»… و«ممّن» #

تأمّل البناء اللغوي للتصنيف:

  • ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾: نسبةٌ إلى الذرّية.
  • ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: ليس فيها «ذرّية».
  • ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾: عادت كلمة «ذرّية».
  • ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾: ليس فيها «ذرّية» أيضاً.

المشهور في التأويل أن المعنى «ومن ذرّية من حملنا مع نوح». لكن النص لم يقل ذلك. لقد ذكر «ذرّية» قبلها وبعدها، وحذفها هنا تحديداً. وحين قال في الختام ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ لم يفهم أحدٌ أنها «من ذرّية من هدينا»، بل فهم الجميع أن هؤلاء الأنبياء أنفسهم ممّن هداهم الله واجتباهم. فلماذا نعامل «ممّن» الأولى بخلاف «ممّن» الثانية، وهما في آيةٍ واحدة وبصيغةٍ واحدة؟

جرّب أن تقرأ الآية بلا الفاصل: «أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيّين… ممّن حملنا مع نوح». المعنى المباشر: من هؤلاء الأنبياء من كان محمولاً مع نوح في السفينة بنفسه.

خريطة زمنية في آية واحدة #

إذا قرأنا الآية هكذا، فإنها ترسم خريطةً زمنيةً بديعة لأولئك السبعة:

  • من ذرّية آدم: من سبق الطوفان، كإدريس الذي يذكر كثيرون أنه قبل نوح.
  • ممّن حملنا مع نوح: من عاش الطوفان وركب السفينة بنفسه.
  • من ذرّية إبراهيم: إسحاق وإسماعيل.
  • من ذرّية إسرائيل: موسى وهارون، من نسل يعقوب.

فمن الذي يبقى للخانة الثانية؟ إسحاق وإسماعيل ويعقوب وموسى وهارون في خاناتهم، وإدريس في الأولى. يبقى إبراهيم. ولاحظ أن القرآن لم يقل «ومن إبراهيم»، بل قال «ومن ذرّية إبراهيم»؛ فإبراهيم نفسه قد ذُكر قبل ذلك بوصفٍ آخر.

اعتزالٌ… ثم رحيل #

وتتّسق هذه القراءة مع الحكاية التي يرويها القرآن عن نهاية علاقة إبراهيم بقومه. لم يُرسَل إليهم فيبلّغ ثم يُؤمر بالخروج كما في قصص الرسل. بل قرّر هو أن يعتزلهم: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾. والرسول لا يعتزل قومه باختياره؛ وحين خرج ذو النون مغاضباً قبل أن يؤذن له كان بطن الحوت جزاءه. أمّا إبراهيم فكوفئ على اعتزاله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾. وتلك مكافأة المؤمن الذي يفرّ بدينه، كأهل الكهف حين قيل لهم: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾.

ثم قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. ذاهب، إلى أين؟ ويطلب الهداية، فهو لم يبلغ مقام النبوّة بعد. ولعلّ ذهابه كان إلى حيث يُعبد الله: إلى نوحٍ والمؤمنين معه، الذين قال نوح عنهم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

الأخسرون… الأسفلون #

ويبقى سؤال: ماذا حلّ بقوم إبراهيم؟ القرآن يذكر كيف هلك قوم نوح، وعاد، وثمود، ومدين، وقوم لوط. أمّا قوم إبراهيم فلم يصف هلاكهم بحادثةٍ خاصّة بهم، بل قال: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾، وفي موضعٍ آخر: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.

لم يقل «من الأخسرين» بل «الأخسرين»: أشدّ الناس خسارة. ولم يقل «من الأسفلين» بل «الأسفلين»: من لا أحد أسفل منهم. وقد حمل بعض المفسّرين ذلك على هزيمتهم في الحجّة. لكن السؤال يبقى: لماذا لم تُذكر لهم نهايةٌ مستقلّة؟

تقول هذه القراءة إن نهايتهم كانت جزءاً من النهاية الكبرى. والقرآن يقول إن الله لا يعذّب قوماً ﴿حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ فإن لم يكن إبراهيم رسولهم، فرسولهم الذي قامت به الحجّة هو الرسول العالمي في زمانهم: نوح. فهلكوا بالطوفان مع من هلك، ثم قيل للأرض: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾، فابتلعت تلك الحضارات إلى أعماقها. فصاروا «الأسفلين» حقاً.

خلاصة الحلقة #

في آيةٍ واحدة من سورة مريم، صنّف الله سبعة أنبياء بحسب أصولهم، وجعل أحدهم «ممّن حملنا مع نوح» بلا كلمة «ذرّية». وفي هذه القراءة كان ذلك الواحد هو إبراهيم: فتىً اعتزل قومه، وذهب إلى ربّه يطلب الهداية، فوجدها على ظهر السفينة، ونجا مع نوح، بينما صار قومه الأخسرين الأسفلين.

وهنا ينتهي المحور الثاني من السلسلة: الفتى قبل الطوفان. فإذا رست السفينة وجفّت الأرض، ماذا يصنع شابٌّ نجا من نهاية العالم الأول؟ في الحلقة القادمة نبدأ المحور الثالث بسؤالٍ يبدو بسيطاً: ما معنى «ملّة إبراهيم»؟ ولماذا لم يقل الله «ملّة محمد»؟