عرض التصنيفات

08 · ملكوت السماوات: حين رأى إبراهيم كيف تعمل الأشياء

سلسلة «إبراهيم: الرجل الذي عاش قرنين» · المحور الثالث: الإمام بعد الطوفان · الحلقة 08 من 13

استمع إلى الحلقة · نحو 8 دقيقة · السرد بصوتٍ آلي، والآيات بتلاوة الشيخ مشاري العفاسي

كلّنا نظرنا إلى النجوم. وكلّنا رأينا القمر يبزغ ثم يأفل، والشمس تشرق ثم تغيب. فلو كان هذا كلّ ما رآه إبراهيم، فبأيّ شيءٍ امتاز علينا؟ القرآن يقول إنه رأى شيئاً آخر، شيئاً لم يذكر أن أحداً غيره رآه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.

المُلك والملكوت #

في العربية فرقٌ لطيف بين «المُلك» و«الملكوت». المُلك هو الشيء المملوك نفسه، بوجوده وصفاته. والملكوت هو تدبير ذلك المُلك: كيف يوجد، وكيف يعمل، وكيف يبقى، وما الأسباب التي تحكمه.

خذ مثالاً من حياتنا: سيارةٌ تملكها. هيكلها ومحرّكها ومقاعدها «مُلك». أمّا كيف يشتعل الوقود، ولماذا تدور العجلات، وماذا يجب أن تفعل لتبقى صالحة، فهذا «ملكوتها»: عالم الأسباب الذي يجعل المُلك يعمل.

وقد جمع موسى الأمرين في جوابٍ واحدٍ لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾. «أعطى كل شيء خلقه» هو المُلك. «ثم هدى» هو الملكوت: أن يُهدى كلّ مخلوق إلى وظيفته وسبيله.

الله وحده مالك المُلك والملكوت. لكنه أطلع إبراهيم على «الملكوت»: على كيفيّة عمل الأشياء وأسبابها، لا على صورها الظاهرة فحسب.

«نُري» في لغة القرآن #

ولاحظ الفعل: «نُري». الرؤية في القرآن كثيراً ما تأتي بمعنى العلم لا النظر بالعين: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فلا أحد «يبصر» علم الله بعينه. والقرآن يفرّق بين الرؤية والنظر؛ قال موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾. «أرني» طلب، و«أنظر» نتيجته البصرية.

أمّا نظر إبراهيم بعينه فقد ذكره القرآن بلفظه: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾. وتلك النجوم والكواكب والقمر والشمس كلّها في ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ التي زيّنها الله بمصابيح. لكن الآية لا تقول إنه أُري ملكوت السماء الدنيا، بل ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾ بالجمع. والقرآن إذا قال «السماوات» عنى السبع.

اليقين لا يأتي من الخبر #

ثم ختمت الآية بالغاية: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. واليقين درجاتٌ يعرفها أهل العلم: علمٌ بالخبر، ثم عينٌ بالمشاهدة، ثم حقٌّ بالمعايشة. ولا يبلغ الإنسان اليقين الكامل بمجرّد أن يُخبَر، ولا بمنامٍ يراه؛ بل حين تجتمع على الحقيقة حواسّه وعقله وقلبه.

فإذا كان إبراهيم قد أُري ملكوت السماوات السبع ليبلغ اليقين، فالسؤال الذي يطرحه هذا التأمّل جريء: هل كان ذلك علماً أُلقي في قلبه وهو على الأرض، أم عروجاً عاين فيه ما تعلّمه؟ صاحب هذه القراءة يميل إلى الثاني، ويقدّمه تأمّلاً لا جزماً: أن الخليل عُرج به إلى السماوات، كما عُرج بمحمد ﷺ من بعده.

هل السماء سجنٌ مغلق؟ #

وقد يعترض معترض: أليس القرآن يقول ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾؟ فكيف يعرج إنسانٌ إليها؟ والجواب في وظيفة السقف نفسه. السقف لا يُبنى ليحبس من تحته، بل ليحميه ممّا فوقه: من المطر والحجارة والأذى. والسماء كذلك: سقفٌ يحفظ الأرض ممّا يأتيها من الخارج، لا جدارٌ يمنع أهلها من الصعود.

والقرآن نفسه يتحدّث عن الصعود بوصفه أمراً مفهوماً: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، ويحكي عن الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾. أمّا التحدّي فجاء في النفاذ من أقطار السماوات والأرض، أي الخروج من حدودهما كلّها: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. وحتى هذا التحدّي جاء ومعه استثناؤه: «إلا بسلطان».

الأسباب التي أرادها فرعون #

وفي القرآن مقابلةٌ تستحقّ التأمّل. فرعون، بكل ما ملك من قوّة، أراد شيئاً واحداً عجز عنه: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾. أراد أن يبلغ «أسباب السماوات» بالبناء والحجارة، فلم يبلغها.

وإبراهيم أُعطي ما عجز عنه فرعون: لم يبنِ صرحاً، بل أراه الله ملكوت السماوات. فالملكوت لا يُنال بالقوّة، بل يُعطى لمن أتمّ الكلمات.

علمٌ لأجل الإمامة #

ولماذا هذا العلم؟ لأن من جُعل ﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يحتاج إلى أكثر من الإيمان. يحتاج إلى أن يفهم كيف تعمل الأشياء: كيف تُبنى الحضارات وكيف تنهار، وكيف تتحرّك الأسباب في الأرض والسماء. الإيمان يجعلك صالحاً، أمّا علم الملكوت فيجعلك قادراً على أن تقود.

وسنرى في الحلقات القادمة أن هذه الكلمة، «الأسباب»، ستعود لتفتح لنا باباً لا يخطر على البال، في سورةٍ أخرى ومع رجلٍ آخر، أو هكذا نظنّ.

خلاصة الحلقة #

نظر إبراهيم إلى النجوم كما ننظر، لكنه أُري ما لا نُرى: ملكوت السماوات السبع والأرض، أي علم الأسباب وتدبير المُلك. وهذا العلم لم يكن ترفاً، بل كان عُدّة الإمام. والسماء التي يظنّها بعضنا سجناً هي في القرآن سقفٌ يحمي، لا جدارٌ يحبس.

وفي الملكوت سرٌّ أعظم من حركة الكواكب: سرّ الحياة نفسها. فكيف تعود الحياة إلى ما مات؟ في الحلقة القادمة يقف الخليل أمام ربّه ويطلب طلباً عجيباً: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾.