عرض التصنيفات

12 · أن بورك من في النار: لقاء طوى وصحف إبراهيم

سلسلة «إبراهيم: الرجل الذي عاش قرنين» · المحور الرابع: التسليم · الحلقة 12 من 13

استمع إلى الحلقة · نحو 8 دقيقة · السرد بصوتٍ آلي، والآيات بتلاوة الشيخ مشاري العفاسي

ليلٌ باردٌ في الصحراء، ورجلٌ عائدٌ من مدين يقود أهله وقد ضلّ الطريق. ثم يلمح من بعيد ناراً عند جانب الطور: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. يقترب موسى، فيأتيه النداء الذي غيّر التاريخ. لكن قبل كلمات التكليف، يقول القرآن جملةً نمرّ عليها سريعاً: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. من الذي كان «في النار»؟

لا آية بلا معنى #

القاعدة التي التزمناها منذ الحلقة الثانية: كل لفظٍ في القرآن مقصود. و«مَن» في العربية للعاقل. فالآية تخبرنا أن في النار عاقلاً مباركاً، وأن حولها آخرين. والخطاب ليس لموسى وحده، بل هو خبرٌ يقصّه الله علينا نحن القرّاء. فلماذا يخبرنا الله بأن في النار أحداً، إن لم يكن في معرفته هدىً لنا؟

ونستبعد أولاً ما لا يليق: الله سبحانه لا يحلّ في شيءٍ من خلقه، ولا يُشار إليه بصيغة التنكير «مَن». ثم إن الله ﴿كَلَّمَ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ بلا وسيط، فليس لملَكٍ هنا وظيفةُ تبليغ. فمن يبقى؟

من الذي لا تمسّه النار؟ #

من يستطيع أن يكون «في» النار ولا يحترق؟ ابحث في القرآن كلّه عن مخلوقٍ أخبر الله أن النار لا تؤذيه، فلن تجد إلا واحداً: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾.

وتأمّل الصيغة. حين نجّى الله أنبياءه من أقوامهم قال غالباً «فنجّيناه» دون تفصيل الكيفية. أمّا هنا فقال للنار نفسها: «كوني». و«كوني» أمرٌ بالكينونة، لم يُقيَّد بزمنٍ ولا بحادثة، كما قال للأرض يوم الطوفان ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ فما زالت تبتلع ماءها إلى اليوم. فصار من خاصّية النار، في هذه القراءة، أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم.

فإذا ربطنا الآيتين، والقرآن يفسّر بعضه بعضاً، كان المبارك الذي في النار عند طوى هو إبراهيم. استنباطٌ لا نقطع به، لكنه الوحيد الذي يجعل للجملة معنىً يُفهم، بدل أن تبقى سرّاً لا يُدرك.

«وأنا اخترتك» #

ثم يقول الله لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ﴾. لفظ «الاختيار» لم يُخاطَب به نبيٌّ آخر في القرآن بهذه الصيغة؛ والقرآن يقول في غيرهم «اصطفى» و«اجتبى». والاختيار لا يكون إلا من متعدّد: تختار واحداً من بين كثيرين. فمن بين من اختير موسى؟

هنا تعود «وَمَنْ حَوْلَهَا». لم يكن موسى وحده؛ كان حول النار آخرون، وكان معه أهله وربّما رفقةٌ عادوا معه من مدين، وهي مدينة شعيب التي قال الله فيها ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، فلم تكن مدينتين كما شاع. ومن بين الصالحين حول النار، اختير موسى.

كتاب الرسول الأوّل #

والرسول لا يُرسَل بلا كتاب. محمد ﷺ أوّل ما كُلّف قيل له «اقرأ»، فكان أوّل الرسالة أوّل الكتاب. وموسى كُلّف عند الشجرة: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. فبأيّ كتابٍ ذهب؟

ليست التوراة؛ فالتوراة نزلت بعد الخروج من مصر بسنين، في ميقات الأربعين ليلة: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾، ونزل منها بالألواح. ومع ذلك كان لبني إسرائيل في مصر صلاةٌ وعبادة قبل التوراة: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. فلا بدّ أنه كان معهم كتابٌ قبل الألواح.

والقرآن يسمّيه: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾. وفي موضعٍ آخر: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ﴾. في الموضعين لا تُذكر صحف أحدهما إلا مقرونةً بالآخر. وفي هذه القراءة هي صحفٌ واحدة: صحف إبراهيم، تسلّمها موسى يوم طوى من يد صاحبها، الذي «وفّى» فأتمّ ما عليه، وسلّم الأمانة.

ما بعد التسليم #

ومتى انتهت الرحلة؟ هنا يحسم القرآن بآيةٍ صريحة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ﴾. فالتوراة نزلت بعد إبراهيم. وما دامت التوراة نزلت بعد الخروج من مصر، فقد توفّي الخليل قبل ذلك، بعد أن سلّم صحفه لموسى عند الوادي المقدّس، والله أعلم كم بقي بعدها.

تخيّل المشهد في هذه القراءة: رجلٌ كان فتىً يوم أُلقي في النار فكانت عليه برداً وسلاماً، ويقف في آخر عمره في النار نفسها، نار البركة لا نار العذاب، ليسلّم الأمانة لنبيٍّ من ذرّيته. يبدأ عمره بنارٍ وينهيه بنار. الأولى نجّته من قومه، والثانية أعلنت أن رسالته اكتملت.

التوراة: كتاب النهوض #

ثم جاء الكتاب الثاني لموسى، التوراة، بعد أن خرج بنو إسرائيل من ذلّ العبودية. وفي اسمها، كما يتأمّله صاحب هذه الحلقات، معنى «التَّوْر»: النهوض بهمّةٍ ونشاط، وما زال الناس في بعض القرى يوقظون أبناءهم بقولهم «تُورْ». ولهذا اقترن هذا الكتاب في القرآن بالقوّة: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾، و﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. صحف إبراهيم ملّةٌ للفطرة، والتوراة شريعةٌ لأمّةٍ تنهض.

خلاصة الحلقة #

«أن بورك من في النار» ليست جملةً عابرة. في هذه القراءة، هي آخر ظهورٍ للخليل في القرآن: في نارٍ لا تمسّه، يسلّم صحفه لموسى المختار، ثم يمضي إلى ربّه قبل أن تنزل التوراة. وبهذا تكتمل دائرة الرحلة: من فتىً مع نوح قبل الطوفان، إلى شيخٍ يسلّم موسى رسالته بعد أن عاش قرنين من تاريخ البشر.

بقيت حلقةٌ أخيرة. لا لنضيف معلومة، بل لنجمع الحبّات في خيطٍ واحد، ونسأل السؤال الذي يجب أن يُسأل في نهاية كل رحلة: وماذا بعد؟